الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
277
تفسير روح البيان
حق داود عطاء نعمة وإفضال وفي حق آله عطاء لطلب المعاوضة منهم فداود عليه السلام ليس يطلب منه الشكر على ذلك العطاء وان كانت الأنبياء عليهم السلام قد شكروا اللّه على انعامه وهبته فلم يكن ذلك الشكر الواقع منهم مبنيا على طلب من اللّه سبحانه بل تبرعوا بذلك من عند نفوسهم كما قام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى تورمت قدماه من غير أن يكون مأمورا بالقيام على هذا الوجه شكرا لما غفر اللّه له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فلما قيل له في ذلك قال ( أفلا أكون عبدا شكورا ) وفي التأويلات النجمية يشير إلى شكر داود الروح وسليمان القلب من آله السر والخفي والنفس والبدن فان هؤلاء كلهم من مولدات الروح فشكر البدن استعمال الشريعة بجميع أعضائه وجوارحه ومحال الحواس الخمس ولهذا قال اعملوا . وشكر النفس بإقامة شرائط التقوى والورع . وشكر القلب بمحبة اللّه وخلوه عن محبة ما سواه . وشكر السر مراقبته من التفاته لغير اللّه . وشكر الروح ببذل وجوده على نار المحبة كالفراش على شعلة الشمع . وشكر الخفي قبول الفيض بلا واسطة في مقام الوحدة ولهذا سمى خفيا لأنه بعد فناء الروح في اللّه يبقى في قبول الفيض في مقام الوحدة مخفيا بنور الوحدة على نفسه وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ قليل خبر مقدم للشكور وقال الكاشفي وصاحب كشف الاسرار [ واندكى از بندگان من سپاس دارند [ والشكور المبالغ في أداء الشكر على النعماء والآلاء بان يشكر بقلبه ولسانه وجوارحه أكثر أوقاته وأغلب أحواله ومع ذلك لا يوفى حقه لان التوفيق للشكر نعمة تستدعى شكرا آخر لا إلى نهاية ولذلك قيل الشكور من يرى عجزه عن الشكر حق شكر حق نداند هيچ كس * حيرت آمد حاصل دانا وبس آن بزركى كفت با حق در نهان * كاى پديد آرندهء هر دو جهان اى منزه از زن وفرزند وجفت * كي توانم شكر نعمتهات كفت پيك حضرت دادش از ايزد پيام * كفتش از تو اين بود شكر مدام چون درين راه اين قدر بشناختى * شكر نعمتهاى ما پرداختى قال الامام الغزالي رحمه اللّه أحسن وجوه الشكر لنعم اللّه تعالى ان لا يستعملها في معاصيه بل في طاعاته وذلك أيضا بالتوفيق وعن جعفر بن سليمان سمعت ثابتا يقول إن داود جزأ ساعات الليل والنهار على أهله فلم تكن تأتى ساعة من ساعات الليل والنهار الا وانسان من آل داود قائم يصلى وعن النبي عليه السلام ( إذا كان يوم القيامة نادى مناد ألا ان داود اشكر العابدين وأيوب صابر الدنيا والآخرة ) وفي التأويلات النجمية وبقوله ( قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ ) يشير إلى قلة من يصل إلى مقام الشكورية وهو الذي يكون شكره بالأحوال . فللعوام شكرهم بالأقوال كقوله تعالى ( وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آياتِهِ ) . وللخواص شكرهم بالأعمال كقوله ( اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً ) . ولخواص الخواص شكرهم بالأحوال وهو الاتصاف بصفة الشكورية والشكور هو اللّه تعالى لقوله تعالى ( إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ) بان يعطى على عمل فان عشرا من ثواب باق كل ما كان عندكم ينفد وما عنده إلى السرمد ان اللّه كثير الإحسان فاعمل